الكسندر
ديماس
من
منا لم يقرأ "الفرسان الثلاثة" و "الكونت دي
كان
في الرابعة من عمره حين مات والده .. فلما خرجت أمه من غرفة الموت، رأت الطفل يصعد
السلالم إلى سطح المنزل وهو يجر وراءه بندقية ثقيلة:
-إلى
أين أنت ذاهب يابني؟
-ذاهب
إلى السماء!
-إلى
السماء ؟.. لماذا؟
-كي
أبارز "الله" الذي قتل أبي !!
وهكذا
– كما في الفرسان الثلاثة – كان "ألكسندر" منذ
طفولته الباكرة محارباً متهوراً ضد القوى المنيعة التي لا تغلب!
جدته
.. زنجية!
ولد من سلالة أشتهر
رجالها بشغفهم بالحروب والمغامرات .. حتى لقد تناسى جده "داقى دي لا
بايترى" أرستقراطيته الموروثة، وأطاع الحنين
الذى يسرى فى دمه إلى حياة المغامرة فأقلع بسفينة صغيرة من أحد موانئ مقاطعة (نورماندى)
متجها إلى جزيرة "سان دومينجو" .. حيث عاش أشبه بـ "إمبراطور"
على الزنوج، تحيط به رعية من العبيد السود، كانت منهم "لويز ديماس" التى
أنجبت له ابنا "مولداً" سماه أبوه "توماس ألكسندر".
وورث توماس طباع أبيه
"الفوارة" فبادره حين بلغ أشده:
- أريد
أن أتطوع فى الجيش ..
- حسنا
.. ولكن يجب أن تسجل نفسك فيه باسم أمك، فإنه يشيننى أن يحمل جندى مولد أسمى
النبيل !!
وهكذا أنضم توماس الكسندر إلى
الجيش الفرنسى فى سنة 1793 باسم "ديماس" .. وخلال سبعة أعوام أرتقى من جندى بسيط إلى "جنرال"! كان
هذا "المولد" الإرستقراطى ذو البشرة السمراء والشعر الكستنائي محارباً
شجاعاً، ذكياً، رقيقاً، محبوباً من الجميع .. اجتاح مرة جبال
"البيرينيز" وأسر ألفين من جنود الأعداء .. ودافع بمفرده عن قنطرة ضد
فرقة من النمسويين .. وكان يحارب دائماً فى الصفوف الأمامية من فرقته .. وذات مرة
أغمى عليه بعد انتهاء المعركة، فسأله
أركان حربه فى انزعاج وهو يفيق من اغمائه:
-هل جرحت يا سيدى الجنرال؟
-كلا .. بلا قتلت كثيرين ..
كثيرين جداً!
وحارب تحت قيادة نابليون
كجمهورى ثائر .. وظل جمهورياً ثائراً حين صار نابليون إمبراطور طاغية، فطرد من
الجيش ملطخاً بهذا العار !
وكان قد تزوج، ورزق طفلاً
عملاقاً وزنه تسعة أرطال وطوله ثمانية عشر بوصة !.. ولحسن حظه جاء الطفل أبيض
اللون، ذات بشرة وردية وشعر فاتح وعينين زرقاوين. ولم يكن فيه من سمات الزنوج
والمولدين غير اكتناز شفتيه !.. ونشأ "الكسندر" منذ طفولته الباكرة قوى
البنية والعقل والروح المعنوية، ميالاً إلى التمرد .. حتى لقد قال يوماً: "إن
ذلك الرجل الشرير "نابليون" قد لوث شرف أبى .. ولسوف أحارب الرجال
الأشرار طيلة حياتى !"
الغلام المتمرد ..
وشب الصبى كارهاً للمدرسة
والتعليم، فحاولت أمه تعليمه الموسيقى، لكنه كان يكره الموسيقى أيضاً. وأخيراً
فكرت فى أن توجهه إلى تعلم الدين ليصير من رجاله، فلما عرف نيتها هرب من البيت وظل
مختفياً فى الغابات عدة أيام !.. وإذ ذاك يئست الأم من مستقبل ابنها وقالت: "إنه
لن يصلح إلا ناسخاً، فإن خطه جميل .. وإن كان أغبى يستطيع أن يكون كذلك "!
لكن ألكسندر كان أبعد ما يكون
عن الغباء .. كان قوى الملاحظة، ذا عين نافذة البصر، وعقل راجح، وقلب يعطف على الإنسانية
جمعاء. ورغم كراهيته للدرس والتحصيل، كان شغوفاً بتتبع الاحداث الجارية، وكانت تلك
الحقبة من تاريخ فرنسا حافلة بالأحداث المثيرة !.. ففى يونيه سنة 1815 لمح الغلام –
وكان فى الثالثة عشرة – عربة مقفلة تنهب الطريق الرئيسية فى بلدة "فيير
كوترية"، واستطاع أن يميز وراء الستار صورة جانبية لوجه رجل حازم القسمات،
حاد النظرات، فهتف قائلاً: "أنه نابليون فى طريقه إلى ووترلو" .. وبعد
أيام رأى العربة ذاتها تنهب الطريق نفسها فى الاتجاه المضاد، وخلف الستار نفس
الوجه متهالكاً على الوسادة، محطماً .. فقال الغلام الذكى: "أنه نابليون ..
هارباً من ووترلو .."!
وعلى أثر هزيمة نابليون حاولت
أم ألكسندر أن تسترد ثروتها ومكانتها، فخيرت أبنها بين أن يتخذ لنفسه اسم جده
الارستقراطى القديم "دى لابايترى" أو أن يحتفظ باسم "ديماس"
المجهول المتواضع، فصاح المتمرد الصغير:
-
سوف
أظل دائماً "ألكسندر ديماس"!
ولكن كيف يكسب ألكسندر ديماس –
حفيد العبد الزنجى – ما يقيم أوده هو وأمه؟ .. لم يجد وسيلة غير تنفيذ فكرة أمه
القديمة: استغلال خطه الجميل المنسق فى أعماله النسخ، فالتحق كناسخ بمكتب الأستاذ
"جينيسون" موثق العقود، وصديق العائلة!
ناسخ
.. و "دون جوان" .. وكاتب مثابر!
وفى المكتب المذكور صار
الغلام يقرأ أكثر مما يكتب، رغم استياء صاحب العمل، فقرأ مؤلفات فولتير وغيره من
كتاب الثورة .. ثم لم يلبث أن تنبه إلى إغراء قوامه الفارع وابتسامته الجذابة – وكان
قد بلغ الساسة عشرة – فوجه همه إلى إيقاع فتاة تدعى "أديل دالفان" في
شباك غرامه .. فلما نجحت مغامرته بسهولة، وبساطة، بدأ يستغل "موهبته"
الجدية على نطاق واسع، فلم يلبث أن صار "دون جوان" البلدة!
ثم اتسعت مطامعه .. لم يضيع
مؤهلاته في بلدة صغيرة مثل (فيير کوتريه) .. لم لا يذهب إلى باريس؟
ولكن کيف ؟.. أن أمه فقيرة، وإيراده
من عمله أضأل من أن يكفي لرحلة إلى باريس !.. لكن عزيمة ألكسندر لم تكن تعترف
بالصعاب، فصار يستغل ساعات فراغه في اتقان لعبة "البلياردو" حتى برع
فيها. وذات مساء تحدى رواد الحانة التي يلعب فيها أن ينازلوه في اللعبة. وعاد إلى
البيت في تلك الليلة وفي جيبه نفقات السفر إلى العاصمة!
ولم يكد يصل إلى باريس حتى يمم
وجهه شطر (المسرح الفرنسي)، ثم دلف إلى غرفة الممثل التراجيدي الشهير - في ذلك
الوقت – "تألماً، إذ لم تكن ثمة عقبة تقف أمام هذا و الصاروخ البشري الخاطف !
.. وسر الممثل الشيخ بروح الفتى المغامر فسأله متلطفاً:
-ما
هو عملك يا صديقی؟
- في الوقت الحاضر أنه ناسخ عند موثق عقود، يا سيدی .. لكني أريد
أن أكون كاتباً!
- ولم لا ؟.. أن "کورني" المؤلف المسرحي العظيم كان أيضا
في شبابه يعمل في مكتب موثق عقود!
- شكراً يا سيدی .. ثم، هل
تتكرم بلمس جبهتی .. كی تجلب لي الحظ؟
فضحك الممثل وأجاب وهو يضع
كفه على جبهة الشاب:
-بكل سرور .. ها أنا أعمدك شاعراً باسم شكسبير وکورنی وشيللر!
وكان الممثل هازلاً في ضميره أكثر
منه جاداً بالطبع. لكن الأمر بالنسبة لديماس لم يكن هزلاً .. "رباه .. شاعر باسم
شكسبير وكورني وشيللر؟ ولم لا ؟.. سوف أحقق النبوءة .. وسوف أثبتها لتألماً
وللعالم أجمع .. منذ هذه اللحظة!"
ولم يكد يصل إلى البيت حتى
تناول الورق وشرع يقتبس مسرحية من رواية "والتر سكوت" الخالدة
"ايفانهو"!
وحين أتمها طاف بها على
الناشرين فلم يقبلها أحد. وأصاب المصير نفسه مسرحيته الثانية، ثم الثالثة .. ورغم
هذا لم يتطرق إلى قلبه اليأس فاستمر ينتج، ويؤمل، وينجب من صديقاته أطفالاً غير
شرعيين! ويؤلف قصصاً ومسرحيات، محاولاً أن يفرض مواهبه على سمع الناس وبصرهم
فرضاً، وينتصر على عناد القراء والناشرين! وحيثما كان ناشر أو صاحب صحيفة يرفض
مقابلته، كان يلتفت إلى سكرتيرته ويقول: "شكراً يا مدموازيل .. ولكن همتي لا
تثبط بسهولة .. سوف آتى مرة أخرى ..!"
شهامة
ملك المسرح الباريسي!
وأخيراً،
انتصر، بفضل إلحاحه الباسم ومثابرته المؤدبة .. فقبلت إحدى مسرحياته المسماة
"الملكة كريستينا" لتمثل على المسرح الفرنسي. واختير الممثلون، وبدأت
البروفات، وابتسم الحظ والمجد للمؤلف الشاب .. لكنه أضاع فرصته بيده فجأة، حين سحب
روايته، كي يفسح المجال أمام مؤلف عجوز كان قد قضى حياته كلها في محاولات فاشلة،
في سبيل الظفر بتمثيل رواية من رواياته على المسرح .. وكان قد ألف آخر مسرحية يدور
موضوعها حول حياة الملكة كريستيا أيضا .. فأشفق عليه ديماس وقال: "فلينعم
الرجل بتحقيق حلمه مرة قبل أن يذهب إلى القبر .." !.. وسحب روايته هو!
وشرع ديماس على الفور في وضع
مسرحية جديدة عن "هنری الثالث"، وعثر على مخرج لها، فبات يترقب الليلة
الأولى التمثيلها بصبر نافد. وفي ليلة 11 فبراير سنة 1828 أعد المؤلف ثياب السهرة
مقدماً، وبدأ يرتديها في الموعد المحدد کی لا يفوته من حفلة الافتتاح شيء !..
وارتدى فعلاً بنطلونه وقميصه وحذاءه .. وفجأة اكتشف أنه قد نسی أن يشتري الياقة المنشاة،
فاختطف مقصاً وقص لنفسه ياقة من الورق المقوى، ثم هرع إلى المسرح، وأطل من خلف
الستار على الصالة فوجدها مكتظة بالنظارة .. وظفرت الرواية بنجاح هائل .. ولم يكد
يسدل الستار على الفصل الأخير منها، حتى هزت المسرح عاصفة من التصفيق الشديد،
تحولت الی نوبة جنونية حين ظهر المؤلف الشاب في مقصورته "برأسه المرفوع إلى
أعلى حتى لتكاد خصلة شعره الثائرة أن تشتعل بالنار من لمس النجوم" .. وهكذا
صار الفتي "المولد" بياقته المصنوعة من الورق المقوی "ملك المسرح
الباريسی" !!
وتربع ديماس على عرش مملكته
كأنما قد ولد ملكاً .. فصار يوزع الابتسامات، ويتقبل التحيات، ويستنشق عبير النجاح
في جلال ومهابة الملوك!
وتتابعت المسرحيات،
والانتصارات، ومن ثم .. العشيقات!
المحارب
الثائر!
ثم أتيحت له مغامرة من نوع جديد
..
كان "شارل العاشر"
قد أصدر لائحة تحد من حرية الصحافة أثارت ثائرة المثقفين في باريس، وانضم ديماس
إلى الثائرين المسلحين. ولكن الثورة تمخضت عن خيبة أمل .. فإن الثوار لم ينجحوا إلا
في استبدال حاكم أسوأ بحاکم سيء .. فزهد ديماس في السياسية، وآثر العودة إلى
الميدان الآخر الذي نجح فيه: ميدان الأدب .. فكتب مسرحية "انطونی" التي
يدور موضوعها حول الثلاثي الخالد: امرأة ورجلين !.. فهتفت باريس كلها لحبكتها
ومواقفها "المكشوفة" التي تعالج الرذيلة بصراحة تامة .. وبلغت الحماسة
بالمتفرجات في الليلة الأولى حد تمزيق سترة المؤلف، تحية وإعجاباً .. وهن يتهامسن:
"أواه .. يا له من شاب جرئ رائع!"
واستمر "المولد"
الجريء الرائع، ذو السترة الزاهية والأسنان البراقة، يدور في ساقية الأقدار التي
لا تدوم على حال .. يوم له ويوم عليه !.. يوم تظفر رواية له بالنجاح، ويوم يولد له
طفل، ويوم يهجر عشيقته، ويوم يصاب بالكوليرا وينجو منها !.. ثم رواية أخرى ناجحة،
ثم اشتراك في ثورة أخرى فاشلة، ثم فرار إلى سويسرا للنجاة من أمر بالقبض عليه
باعتباره "جمهوريا خطراً" .. ثم نزوة طارئة توحى إليه بأن يصير من رجال
الدين: "ولم لا ؟.. لقد خلقت مسرحاً جديداً، فلم لا أؤسس نظاماً دينياً جديداً
؟" !!
لكنه نبذ الفكرة بالسرعة
نفسها التي اعتنقها بها .. فقد كانت طبيعته البركانية أحد من أن تطيق عزلة الدير،
وملذات الدنيا أمتع من أن يستبدل بها وعود الآخرة !.. ففضل أن يظل دنيوياً وثنياً ..
وأن يدفع الثمن! وظل وثنياً مستهتراً إلى آخر حياته .. يسامر الرجال، ويغوی زوجاتهم،
ويكتب مسرحياته، ويستمتع بالمجد، ويواجه فشله وانتصاراته بعدم مبالاة .. فيتلقی
ثناء النقاد بهزة من الكتف، وانتقاداتهم وإهاناتهم .. بابتسامة!
الطير .. في القفص!
وفي 6 فبراير سنة 1832 ظهرت
فتاة موهوبة من (مونبارناس) تدعى "ايدا فيرييه" لأول مرة على خشبة
المسرح، في رواية ديماس المسماة "تيريز" .. فلما أسدلت الستار، ارتمت
الممثلة في أحضان المؤلف تهتف في جذل: "مسيو ديماس، لقد كنت سبب شهرتی فكيف
أرد لك الجميل؟
فأجابها وهو يبتسم لها
ابتسامته الخلابة: "هذا أمر سهل للغاية!"
وظلت "ترد له جميله"
سنوات !.. وذات يوم فوجئ أصدقاؤهما بزواجهما. واستکان ديماس لحياة البيت والأسرة،
ولكن الأغلال اتسعت حول رقبته القوية، فصار يتحرر منها أحيانا كي يقوم بمغامرات
غرامية في الخارج !.. وسمح لزوجته أن تبحث عن مغامراتها الخاصة في داخل البيت، فقد
كان شعاره: "عش ودع غيرك يعيش" !!
وهكذا عاش يبحث دائما عن
ملذات جديدة، وغراميات جديدة، وهتافات جديدة من الجماهير .. لكنه بدأ يمل نجاحه
كمؤلف للمسرح، وكانت نيران الثورات قد أخمدت في شتی البلاد، فكان لا بد لنشاطه
الخارق أن يجد لنفسه متنفساً جديداً .. ولكن أين ؟.. و کيف؟
واهتدى إلى الميدان الجديد ..
فكر أن يطرق باب تأليف القصص ذات المغامرات التاريخية .. أنه سوف يبعث الماضي
الميت إلى الحياة مرة أخرى .. وإذا كان "والتر سكوت" ملك المغامرات
القصصية قد مات، فليحي الملك الجديد "الكسندر ديماس"!
وعكف على روايته الأولى "الفرسان
الثلاثة" يخلق وقائعها الشائقة ويمزج فيها التاريخ بالغرام مزجاً رائعاً،
مستعيناً على تحقيق الوقائع التاريخية وتحری حقائقها بشاب موهوب تخصص في الدراسات
التاريخية يدعى "أوجست ماکيه" .. وكان مبدأ ديماس في أبحاثه أن يتحرى
الدقة في أحداث التاريخ الهامة دون وقائعه التافهة .. واستباح "العدوان على
حرمة التاريخ بشرط أن ينجب منه طفلاً" .. على حد تعبيره!
لا
يتعب من التأليف .. والضيافة!
وظل يعمل في روايته بلا ملل
أو تعب، من السابعة صباحاً إلى السابعة مساء .. مرتدياً قميصاً مفتوحاً عند
الرقبة، وإلى جواره صينية عليها طعام الغداء، الذي كان ينشغل عنه أحيانا فلا يمسه
!.. وحين يدخل عليه زائر يكتفي بتحيته بيده اليسرى بينما يده اليمنى ماضية في
الكتابة!
وكان دائما يكتب وهو حاضر
الذهن، فيسامر شخصيات روايته، ويعيش معهم، ويحدثهم، ويضحك معهم !.. ودخل مرة زائر
انجليزي، فلما سمع ضحكة طويلة صادرة من غرفة المؤلف قال لخادمه معتذراً: "سوف
أنتظر حتى يخرج الزائر الذي يجلس مع سيدك" ! .. فأجابه الخادم: "ولكن سيدی
بمفرده .. أنه فقط يستمتع بنكتة لطيفة سمعها من إحدى شخصيات روايته!"
ورغم انشغاله طيلة النهار
بالتأليف، كان في الليل يجالس أصدقاءه وصديقاته بنفس منتعشة وجسم نشيط .. وحين
سأله بعضهم كيف يحتفظ هكذا بنشاطه بعد يوم شاق يقضيه في شحذ ذهنه، أجاب بأن
الكتابة بالنسبة إليه ليست شحذ ذهن شاق كما يتصور الناس .. "فإنی لا أخلق رواياتی،
وإنما هي التي تخلق نفسها في أعماقی"!
-وكيف ذلك؟
-لا أعرف .. سلوا شجرة
البرقوق كيف تنتج ثمارها ؟!
والواقع أنه كان يملك موهبة
الخلق النادرة الغامضة، إلى جانب موهبة "الصداقة" الأشد ندرة وغموضاً
!.. كان بيته وقلبه مفتوحين أبداً للناس .. وكانت فترة الغداء في بيته تبدأ في
منتصف الثانية عشرة، وتنتهي في منتصف الخامسة !.. فقد كانت مائدته دائما تضم ضيوفاً
جدداً يأتون على غير انتظار، فيهرع خدمه إلى حانوت القصاب يبتاعون منه مزيداً من
اللحم .. وحين كان رب البيت يجد فراغاً لمسامرتهم، كان يتنقل بينهم مرحبا في بساطة
وانشراح، بالمدعوين منهم والذين أتوا منهم بغیر دعوة على السواء !.. وذات مرة سأله
أحد ضيوفه أن يقدمه إلى شخص من الحاضرين، فأجابه معتذراً: "يؤسفني أني لن
أستطيع ذلك .. فإن أحداً لم يقدمه إلى حتى الآن !" .. فقد كان المضيف لا يعرف
ضيفه الطفيلي!
وكان کرمه أشبه ببئر عميق لا
قرار له يلقى فيه بكل إيراده .. فظل دائما غارقاً في الديون، وكان المحضر من أكثر
زواره انتظاماً !.. سأله صديق له في أحد الأيام أن يساهم في التبرع من أجل دفن أحد
الموتى الفقراء، فأخرج من جيبه خمسة عشر فرنکاً وسأل صديقه:
- ومن
يكون الفقيد المسكين؟
- محضر ..
-إذا كان الأمر كذلك فخذ خمسة عشر فرنكاً أخرى وادفن محضرين!
مع
الحرية .. في كل مكان!
وبينما كان "جيب" ديماس فارغاً على
الدوام، کان مجده يرتفع بسرعة وانتظام. وبعد أن كان يخرج من التاريخ قصصاً، صار
يخلق من القصص تاريخاً !.. ومنذ أصدر قصته الخالدة الحية بالشخصيات "الكونت
دي مونت کريستو" - بمعاونة مساعده ماکيه - صار ادلاء مدينة (مرسيليا) يرشدون
السياح إلى البيوت التي عاش فيها "موريل" و "مرسيدس" ..
والزنزانة التي قضى فيها "ادموند دانت" والأب "فاريا" سنوات
طويلة من عمريهما، في سجن قصر (ايف) .. فقد خلق ديماس من الضباب والبخار مبانی
ومساكن صلبة وأشخاص أحياء!
وقد اتهمه أعداؤه بأنه كان
يدير "فابريقة" للقصص !.. والحقيقة أنه كان يكلف ماکيه ومساعديه الآخرين
بجمع الوقائع الجامدة لقصصه، ثم يتناول الوقائع فينفخ فيها نار الخيال وأنفاس الحياة!.
وهكذا عاش في غرفة مكتبه حتى
مغرب حياته، أشبه براوية القصص العربي الذي يسهر مع قبيلته تحت سماء الصحراء التي
تضيئها النجوم، كما وصف نفسه !.. لكن كأس نجاحه امتزجت قرب النهاية بشيء من
المرارة .. مرارة الجسد !.. لكن حسده لم يكن يخلو من فخر، فإن هدفه لم يكن غير
ابنه "اسکندر ديماس الابن"، الذي أصدر في تلك الأثناء قصته الخالدة "غادة
الكاميليا"، فظفرت بنجاح ورواج فاقاً أقصى ما حظى به الأب طيلة حياته. ومنذ
ذلك التاريخ، أخذ الأب والابن يتنافسان، وكلاهما يحاول التفوق على الآخر، وفي
الوقت نفسه، كلاهما يحب الآخر إلى درجة العبادة !.. قال الأب في إحدى المرات وهو
يمزح: "لقد ربيت ولداً .. تكشف لي في النهاية عن أفعی !" .. ورد الابن
التحية قائلاً: "وأنا ربيت أبا .. تكشف لي في النهاية عن طفل!"
وقد ظل "الطفل"،
حتى النهاية شغوفاً بالمغامرات، والضحك، والجرأة التي لا تقف في طريقها عقبة !..
فبالرغم من تقدمه في السن، واكتناز جسمه باللحم، بقي ذهنه ثائراً كالعهد به، فلم
يكن يسمع بثورة تنشب في مكان حتى يلقي بنفسه في دوامتها !.. وفي سنة 1848 أبدى
استعداده لقيادة الحرس الوطني إلى باريس، لكن الحرس الوطني رفض أن يتبعه !.. وفي 1859
انضم إلى "غاريبالدي"، ولم يكتف بالتنازل عن ثروته البالغة خمسين ألفا
من الفرنكات لقضية تحرير إيطاليا، بل أبدى استعداده للتضحية بحياته في سبيلها!
وهكذا
ظلت قوته الخارقة ونشاطه العجيب قابلين دائما لأن يترجماً إلى حركة .. من أي نوع.
لم يكن يستطيع أن يخلد للراحة. وعند عودته ذات يوم من زيارة ثورية لايطاليا - وكان
في سن الثالثة والستين.
- استقبله ابنه في المحطة،
وكانت الساعة العاشرة مساء، قائلاً في اشفاق:
- لا
بد أنك تعانی تعباً شديداً من رحلتك يا أبی .. دعني أصحبك إلى البيت ..
- کلا
.. بل أريد أن أری "جوتييه" قبل أن أنام.
وقاد ابنه من يده إلى عربة
أوصلتهما إلى منزل الصديق القديم في "نوينی". فوجداً البيت مقفلاً، وإذ
ذاك رفع الأب عقيرته بالصياح حتى أيقظ جوتييه من نومه.
- من
هناك ؟
- دوماس الأب .. ودوماس الابن!
ولم يخرج الاثنان من بيت
الصديق إلا في الساعة الرابعة صباحاً .. وحين بلغا بيتهما قال الأب لابنه:
- أريد أن تأتي لي بمصباح ..
- لماذا؟
- عندي عمل يجب أن أنجزه!
وترك الابن أباه جالساً إلى
مكتبه ومضى هو لينام !.. وحين استيقظ بعد الفجر وجد فوق المكتب ثلاثة مقالات كاملة
معدة لثلاث مجلات مختلفة .. ورأى أباه أمام المرآة يحلق لحيته وهو يغني!
- کيف حالك يا أبتاه؟
- في أتم نشاطی يا ابنی.
ثم غمز له بعينه، واستطرد: "أننا
نحن الشبان، لا نتعب سريعاً مثلکم .. أيها الشيوخ!"
الغرام
الأخير!
وأخيراً، حطم "الشاب" قلمه في سن
الثامنة والستين وأخلد للراحة .. لا لأنه تعب من مغامراته، بل لأنه كان يبحث عن
تجربة جديدة !.. وكان قد فرغ من مغامرة غرامية مع ممثلة أمريكية تدعی "ادا
منکن"، وكان غرامها أشبه بعاصفة قصيرة، عنيفة، مكتسحة، انتهت بمأساة، حين
سقطت المرأة عن جوادها فماتت لساعتها .. وعلى أثر ذلك توجه ديماس إلى منزل ابنه.
- لقد جئت إليك يا ابنی ..کی أموت!
ومنذ تلك اللحظة لاذ بالصمت
!.. وكلما كان أصدقاؤه يهزون رؤوسهم في أسى ويقولون أن ديماس قد انهار وأصابه
الانحلال .. كان ابنه يجيبهم:
- أن عقلاً مثل عقل أبي لا يمكن أن يصاب بالانحلال .. ولئن رفض أن
يكلمنا بلغة الدنيا، فلأن ذهنه مشغول بتعلم لغة الآخرة .. لغة الأبدية!
